عبد الملك الخركوشي النيسابوري

362

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

59 - ذكر الغين على القلب أخبرنا أبو سعد ، قال : حدّثنا أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني ، قال : حدّثنا حامد بن محمد بن شعيب القنطرى ، حدّثنا سعيد بن مهران الشروطى ، حدّثنا حامد بن مسلمة ، حدثنا ثابت البناني ، عن أبي بردة ، عن الأغر المزنى ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر اللّه تعالى في كلّ يوم مائة مرة » . قال أبو سعيد بن الأعرابي في معنى هذا الخبر : كأنه صلى اللّه عليه وسلم أحب أن يكون ذاكرا اللّه تعالى على الدوام ، بلا فتور ولا سهو ولا غفلة ، وكان من الذنوب معصوما محفوظا ، إلا أنه وإن كان نبيا ، قال : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ « 1 » ، وكان بذكر اللّه تعالى مستهترا ، ولا يجوز أن يقال إنه كان في حال من أحواله غافلا ، ولكن كان يلحقه من البشرية ما لا بد له منه ، إذ الكمال للّه عزّ وجلّ ، فإذا لحقه أقل ما يكون دون ذلك الاستهتار رأى غينا ، واستغفر تيقظا وزيادة ، فهو في كل حال من أحواله زائد ، وفي رؤيته الغين ذاكر ، فأما أن يكون عن غفلة أو سهو أو نقص فقد أعاذه اللّه عزّ وجلّ عن ذلك وعصمه من الغفلة ، وإنما ذلك لإظهار الرق والعبودية فيه للبينونة عن الملك ، والربوبية ، لا غير إن شاء اللّه تعالى . وقال الجنيد في هذا الخبر : إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان مدبرا بالزيادة في كل حال من أحواله ، مرفوع الدرجة في مستقبل أوقاته ، فكل وقت هو عليه وارد فهو بما يرد عليه منه زائد . وقد جعل اللّه تعالى للخير منازل متفاوتة ، فإذا أدخل اللّه عزّ وجلّ عبدا من عباده في منزلة من المنازل الرفيعة استعمله بها ، ثم سيّره فيها على سننها ، حتى يكون عاملا بكل ما فيها ، حتى إذا بلغ آخر تلك المنزلة أخرجه من الأولى إلى المنزلة التي تليها في الفضل ، وأوجده فضل ما بين المنزلتين ، ليعرف بذلك حكم ما مضى ، وحكم ما أتى ، ويعرف مع معرفته تناهى الحال الأولى ، وورود الحال الثانية ، فضل ما بينهما ، وذلك أبلغ في العلم ، وأشرف في المعرفة ، وأحرى أن يستوعب فضل العلم بذلك كله ، وكان نبينا صلى اللّه عليه وسلم سيد الأنبياء وأكرم خلقه عليه ، وكان إذا نقل من حال إلى حال وجد فضل ما بينهما ، ففزع إلى

--> ( 1 ) سورة الكهف : 110 .